أوتار عربية في “هارموني” غربيّة

على ألحان المقطوعات الموسيقيّة التي تراقصت على أوتار وهواء آلاتها السلالم الموسيقيّة الغربيّة والمقامات الشرقيّة لتمزج في أجوائها الشرق بالغرب، وتحيّرنا بعذوبتها. هكذا بدأ كلّ من الشاعر والباحث الأكاديمي الإماراتي علي العبدان بنظرته الفلسفيّة للموسيقا، والمؤلّف الموسيقي العراقي قتيبة النعيمي بنظرته المختلفة عن المقامات، ندوتهم عن علم الهارموني الموسيقي وكيفيّة الاستفادة منه في توصيف المقامات العربيّة في معرض الشارقة الدولي للكتاب، مساء الاثنين بإدارة الشاعرة الإماراتية شيخة المطيري.

موسيقى من الأزل

وافتتح العبدان الندوة بحديثه عن المتناقضات في الكون، وعن دور الصمت في تكوين الصوت والموسيقى فبنظرته “لولا الصمت لم يكن ليوجد الصوت”، ليبدأ من هذا حديثه عن الموسيقا والنغمات العربيّة وتاريخها، ليفرق بين مقام جنسين موسيقيين هما “الميجور” والذي يندرج تحته مقام “العجم” ذو الطبيعة الحماسيّة الفرحة والمستخدم في السلامات الوطنيّة، و”المينور” والذي يندرج تحته مقام “النهوند” ذو الطبيعة الشجنة الحزينة. والذي يجعل “النهوند” بهذا الحزن حسب العبادي هو “ديق المسافة بين النغمة الناتج عن ضيق الحزن” كصرخة الطفل وهو يبكي حسب تشبيهه.

ما هو علم الهارموني؟

ووجّه العبادي الحوار للنعيمي ليفهم موقفه ويشرح الأخير علم الهارموني وتاريخ ظهوره الذي خصّه في نظريّة جديدة ومؤلّف لم ينشره بعد. وعلم الهارموني حسب النعيمي هو علم التآلفات الموسيقيّة الكبيرة منها والصغيرة وكيفيّة انسجامها وتناغمها مع بعض فيزيائياً لتشكّل موسيقى للأذن، حيث بدأ هذا العلم منذ فيثاغورث الذي بدأه بتساؤله عندما كان يمشي في سوق من الأسواق ويسمع الحدادين “لماذا هناك أصوات متنافرة وأخرى متناغمة؟”، ومن هنا تطوّر علم الهارمون الموسيقي ليمرّ  بالعرب والغرب، إلا أن يتبلور شكله في القرن السابع عشر الميلاي في عصر النهضة. ويوضّح النعيمي صعوبة هذا العلم “كلّما أتعلم أكثر في هذا العلم، أحسّ بنفسي كنملة” بسبب اتّصال هذا العلم في مجالات عديدة مثل الرياضيات، والفيزياء، والفلسفة، حيث أنّ المؤلّف في نظره يجب أن يكون “مثل الساحر، يضع الجمهور في عالم آخر” عندما يترجم مشاعره إلى موسيقى. ويوضّح النعيمي أنّ علم الهارموني ناقص في موسيقانا العربيّة ما دفعه هو وباحثون آخرون لإيجاد حلّ لهذا النقص وتطوير نظريّته.

كيف يمكنّنا أن نستفيد من علم الهارموني في الموسيقا العربيّة؟

وتعجّب عبدان من كيفيّة تغيير النعيمي لمقام الرست في مؤلّفه الموسيقي، حيث برّر النعيمي بأنّ الغاية من كلّ هذا هو “تطوير مقاماتننا وموسيقانا العربيّة والخروج من اللحن الأحادي المكرّر لعمل نظريّات جديدة لهذا الموضوع” وأنّ مشكلتنا هي تصريف المقامات الجزئية مثل ثلاثة أرباع الدو، حيث حاول العديد من الموسيقيين العرب التوصّل لحل لهذه المشكلة ولكنّ الأذن لم تستطع أن تتقبّله فيزيائياً.

والنظريّة التي توصّل إليها عبدان بعد كلّ هذه الأبحاث في مجال علم الهارموني هو أنّه من الممكن أن نترجم الهارموني للمقامات العربيّة  ذات الدرجات الجزئية، مثل مقام الرست والبيّات والصبا والسيغات، والمستفاد من هذا هو “أن يكون هناك هُوية وطنيّة عربية في موسيقانا وأن يصبح في إمكان موسيقانا (العربية) أن تعزف في آلات أوركيسترا ضخمة”.

حيث أوضح أنّه تطرّق في كتابه إلى كيفية كتابة توافقات موسيقيّة وعلم هارموني جديد لمقام الرست. وشرع في توضيح ذلك نظرياً من عرضه التقديمي على الشاشة الذي احتوى على أمثلة تطبيقية على مقامات موسيقية مختلفة. وأوضح أنّ بعد تجاربه وبحوثه مع عدة مراكز بحوث، ورياضيين، وفيزيائيين، وموسيقيين، في باريس توصّلوا لنتيجة أنّه من الممكن أن نكتب مقام الرست لأربع أصوات كما تطرّق إليه في كتابه، ممّا سيعطي في إيمانه “ثقافة نوعيّة لموسيقانا العربيّة، وسيعتبر منهج علمي لكلّ دارسي الموسيقى في المجتمع العربي”، لأنّه في اعتقاده أنّ مشكلتنا في العالم العربي تكمل في قلّة المناهج لهذا الموضوع (في علم الهارموني، والتوافق الصوتي، والكاونتربوينت) حيث يصرّح أنّ “حتّى المناهج الموجودة ليست في المستوى الاحترافي المقبول، وأنّ العديد من الكتب النثريّة حول هذا الموضوع هي مجرّد غشاء خالي من أي تجربة عمليّة”

وأثارت دهشة العبدان سلّم الصول المعروض على الشاشة، حيث دخل في مناقشة مع النعيمي حول سرّ التغيّر الذي أطرقه النعيمي على هذا السلّم. وفسّر للمهتمّين أنّ الحل الوحيد الذي توصّلوا له هو أنّه يجب على الأصوات المرافقة للمي والفا أن تصعد ثلاثة أرباع الدرجة في الاتّجاه نفسه، أو تهبط المقدار ذاته في الاتّجاه نفسه، وهو الحل الوحيد الذي توصلوا إليه بعد البحوث الطويلة في عدّة جامعات ومراكز بحوث لتوصيف مقام الرست.

أين هي الكتب الموسيقيّة في معارض الكتب العربيّة؟

وعبّر أحد الحضور عن أسفه لقلّة الكتب الموسيقيّة والمؤلفّات المعنية في هذا المجال في معرض الشارقة للكتاب، حيث أوضح أنّه منذ إنشاء المعرض وهو يبحث كلّ سنة في جميع دور النشر واحداً تلو الآخر عن كُتب موسيقيّة ولكنّه لا يجدها للندرة الشديدة من وجودها، حيث وافقه النعيمي الرأي في ذلك دون التعليق على الموضوع.

مؤتمر لتوحيد تسميات المقامات الموسيقيّة العربيّة

وتبادل كلّ من النعيمي والعبدان الإجابة عن سؤال نشأة المقامات العربيّة وسبب تسميتها. وأوضح العبادي والنعيمي صعوبة الإجابة عن هذا السؤال لأنّ المقامات العربيّة واختلاف أسمائها من بلد عربي لآخر هي مشكلة في حدّ ذاتها، حيث عبّر النعيمي عن أمنيته في “إنشاء مؤتمر لتوحيد تسميّات المقامات الموسيقيّة العربيّة”.

هل تفتقر الموسيقا العربيّة بوساعتها لعلم الهارموني؟

وكردّ عن سؤالٍ آخر لأحد الحضور عمّا إذا كانت الموسيقا العربيّة في حاجة حقيقية وافتقار لعلم الهارموني رغم تعدّد مقاماتها وسعتها، أوضح النعيمي أنّ “موسيقانا جداً ناقصة في ما يتعلّق بخدمة العلم الموسيقي” وأنّها تفتقر جداً لهذا الموضوع خاصّة بسبب محدوديّة إمكانيّة عزف الموسيقى العربيّة على آلات أخرى غير عربيّة.

بداية هُوية عربيّة للموسيقا

وفي الختام، عرض النعيمي فقراتٍ من أعماله الموسيقيّة أهمّها “سيمفونيّة الرمال” التي مزجت الألحان الغربيّة بالعربيّة “عازفاً لحن الوداع بها” كما عبّرت المطيري. وأعلن عن نيّته في إقامة حفلة موسيقيّة تضمّ مقطوعته “الرمال” والتي يستخدم فيها النظريّة التي توصّل إليها، والتي ستكون في تعبيره “بداية لإعطاء هُوية عربية (للموسيقا العالميّة) في موسيقانا العربيّة”.

وجاء هذا ضمن ندوة أُقيمت في معرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الثامنة والثلاثين، والتي تستمر لأحد عشر يوماُ، منذ 30 تشرين الأوّل (أكتوبر) إلى 9 تشرين الثاني (نوفمبر).

ويذكر أنّ علي العبدان هو شاعرٌ وباحثٌ وناقد فنّي إماراتي صاحب كتب عديدة منها “حرف وعزف” وكتاب “سلسلة روّاد الطرب الشعبي في الإمارات” والذي اهتمّ فيهما بمحاولة توثيق الطرب الشعبي الإماراتي وفنّانيه. وهو عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيليّة منذ عام 1989. وأقام عبدان وشارك في العديد من المعارض والمحاضرات الموسيقية والندوات الشعرية.

وقتيبة النعيمي هو مؤلّف موسيقي عراقي يعيش في بلجيكا حالياُ أستاذاُ بعد حصوله على درجة بروفسور في التأليف الموسيقي وعلم “التزافق الصوتي-الهارموني-الكونتربوينت” من الكونسرفتوار الملكي في بلجيكا. وهرب إلى بلجيكا لاجئاً بسبب التهديدات التي تعرّض لها من قبل متطرّفين إسلاميين. وقد ألّف النعيمي أعمالاً موسيقيّة تدعوا إلى التسامح وتلاقي الأديان إثر ما لاقاه من ترهيبٍ. ألّف أعمالاً موسيقيّة عدّة مازجاً فيها المقامات العربيّة وأصوات الآلات الغربية وشارك بمؤلفاته في العديد من الحفلات الموسيقية أهمّها “أوبريت من أجل السلام” والتي أقيمت عام 2016 في العديد من البلدان لمساعدة ضحايا الاعتداءات الإرهابية.

Please follow and like us:

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Social media & sharing icons powered by UltimatelySocial